فوزي آل سيف
88
فقه العلاقات الاجتماعية
الخلع حال كراهتها زوجها : لو كره الزوج زوجته فإن له أكثر من طريق ! فإنه يستطيع طلاقها .. كما يستطيع الزواج عليها ، فهل للزوجة من طريق تستطيع أن تتخلص فيه من هذه العلاقة المكروهة ، والممقوتة ؟ لقد حدث نظير هذا فيما نقل أيام النبي صلى الله عليه وآله ، فقد روي عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي فقالت : يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام ( ولا أطيقه بغضا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة [259]! ومن خلال هذه الرواية وقبلها القرآن الكريم حيث يقول : ) فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )(البقرة: من الآية229) وغيرهما من الروايات ، فقد استنبط الفقهاء حكم الخلع في الطلاق ، فإنه تارة تكون الكراهة من الزوج فيحدث الطلاق من قبله ، وهو الطلاق الرجعي أو البائن ( بعد اثنتين ) ، وقد تكون من الزوجة فتخلع نفسه منه ويطلقها ببذل مقدار من المال في مقابل ذلك ( ولعل جهة ذلك أنه قد بذل وصرف مبالغ مالية من المهر وغيره حتى يبني أسرة ، وهدمها ليس بسببه وكراهته وإنما بسببها ، فإذا أرادت الانسحاب من هذه العلاقة ، فلابد أن تعيد له ما كان قد صرف فيها .. لحاجته إلى تأسيس حياة زوجية جديدة سيضطر إلى الصرف فيها من جديد . ولهذا كان له حق المطالبة هنا بما صرف بينما في حال كراهته هو وعدم رغبته في الاستمرار ( الطلاق الرجعي ) ، فإنه لا يحق له المطالبة بما أعطى للمرأة من مهر . وينبغي أن يُعلم بأنه ليس كل كراهة تنتهي إلى الخلع ، فإن المطلوب الأول للتشريع الإسلامي هو بقاء الأسرة وصيانتها عن الانهدام ، ولكن إذا وصل الأمر إلى أنها لن تقيم حدود الله بالنسبة لزوجها على أثر كرهها له [260]، فلا معنى للحفاظ على هذه العلاقة الهشة !
--> 259 ) صحيح البخاري - البخاري 6 /170 واعتمد عليها الشهيد الثاني ، وربما شكك بعض فيها نظرا لاحتواء بعض النسخ على أمر النبي الزوجة بأن تعتد بحيضة واحدة وهو مخالف لقول الله عزوجل ( ثلاثة قروء ) .. ومن المعلوم عندهم أن سقوط بعض أجزاء الرواية عن الحجية لمخالفتها للأصول والقواعد لا يبرر سقوط باقي الأجزاء . 260 ) ولتفصيل المسألة عموما ننقل ما كتبه الشيخ محمد أمين زين الدين في كلمة التقوى 7 / 211 : قد تكره المرأة زوجها ولا يكون هو كارها لها ، ثم يطلقها من غير أن تبذل له شيئاً ، صونا لكرامته مثلاً وقد تحصل الكراهة من الزوجين معا ، ويطلق الرجل المرأة من غير بذل كذلك ، فيكون الطلاق رجعيا في الصورتين فالفارق مع وجود الكراهة من الزوجة في الخلع ومع وجود الكراهة من الطرفين في المباراة هو أن تؤدي الكراهة إلى أن تبذل الزوجة للرجل ما لا ليطلقها على ما بذلت . * يشترط في الخلع كما ذكرنا أن تكون الزوجة كارهة للزوج من غير أن يكون الزوج كارها لها ، والأحوط اشتراط أن تكون كراهتها له شديدة يخشى لأجلها من وقوع المرأة في أمر محرم ، كالجرأة على بعض الأقوال أو الأفعال المحرمة ، من الخروج عن الطاعة أو ارتكاب المعصية . * لا فرق في كراهة المرأة لزوجها التي تعتبر في صحة الخلع بين أن تكون لأمور ثابتة في الرجل ، كقبح منظر ، أو بخل ، أو خشونة طباع ، أو لوجود صفات أخرى فيه لا ترغب المرأة في معاشرته لأجلها ، أو لوجود ضرة تغار منها ، فإذا كرهت الرجل أو كرهت معاشرته لذلك وبذلت له الفدية وتوفرت بقية الشروط المعتبرة صح الخلع . * إذا أساء الرجل معاملة زوجته وتعمد أذاها بالاذلال والشتم والضرب وشبه ذلك ، أو ترك بعض ما يجب لها من نفقة أو حقوق واجبة ، فبذلت له بعض المال ليخلعها وتستريح من سوء معاملته حرم عليه أن يأخذ شيئاً من ذلك المال ، وإذا خلعها على ما بذلت لم يصح الخلع ، ويصح طلاقا رجعيا إذا أوقعه بلفظ الطلاق ، أو أوقعه بلفظ الخلع واتبعه بالطلاق .